فخر الدين الرازي
64
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
يختلفوا في مُدْخَلَ صِدْقٍ بالضم ، فبالفتح المراد موضع الدخول ، وبالضم المراد المصدر وهو الإدخال ، أي : ويدخلكم إدخالا كريما ، وصف الإدخال بالكرم بمعنى أن ذلك الإدخال يكون مقرونا بالكرم على خلاف من قال اللَّه فيهم : الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ [ الفرقان : 34 ] المسألة الثانية : أن مجرد الاجتناب عن الكبائر لا يوجب دخول الجنة ، بل لا بد معه من الطاعات ، فالتقدير : ان آتيتم بجميع الواجبات ، واجتنبتم عن جميع الكبائر كفرنا عنكم بقية السيئات وأدخلناكم الجنة ، فهذا أحد ما يوجب الدخول في الجنة . ومن المعلوم أن عدم السبب الواحد لا يوجب عدم المسبب ، بل هاهنا سبب آخر هو السبب الأصلي القوي ، وهو فضل اللَّه وكرمه ورحمته ، كما قال : قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا [ يونس : 58 ] واللَّه أعلم . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 32 ] وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ( 32 ) اعلم أن في النظم وجهين : الأول : قال القفال رحمه اللَّه : انه تعالى لما نهاهم في الآية المتقدمة عن أكل الأموال بالباطل ، وعن قتل النفس ، أمرهم في هذه الآية بما سهل عليهم ترك هذه المنهيات ، وهو أن يرضى كل أحد بما قسم اللَّه له ، فإنه إذا لم يرض بذلك وقع في الحسد ، وإذا وقع في الحسد وقع لا محالة في أخذ الأموال بالباطل وفي قتل النفوس ، فإما إذا رضي بما قدر اللَّه أمكنه الاحتراز عن الظلم في النفوس وفي الأموال . الوجه الثاني : في كيفية النظم : هو أن أخذ المال بالباطل وقتل النفس ، من أعمال الجوارح فأمر أولا بتركهما ليصير الظاهر طاهرا عن الأفعال القبيحة ، وهو الشريعة . ثم أمر بعده بترك التعرض لنفوس الناس وأموالهم بالقلب على سبيل الحسد ، ليصير الباطن طاهرا عن الأخلاق الذميمة ، وذلك هو الطريقة . [ في قوله تعالى وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ ] ثم في الآية مسائل : المسألة الأولى : التمني عندنا عبارة عن إرادة ما يعلم أو يظن أنه لا يكون ، ولهذا قلنا : انه تعالى لو أراد من الكافر أن يؤمن مع علمه بأنه لا يؤمن لكان متمنيا . وقالت المعتزلة : النهي عن قول القائل : ليته وجد كذا ، أو ليته لم يوجد كذا ، وهذا بعيد لأن مجرد اللفظ إذا لم يكن له معنى لا يكون تمنيا ، بل لا بد وأن يبحث عن معنى هذا اللفظ ، ولا معنى له إلا ما ذكرناه من إرادة ما يعلم أو يظن أنه لا يكون . المسألة الثانية : اعلم أن مراتب السعادات إما نفسانية ، أو بدنية ، أو خارجية . أما السعادات النفسانية فنوعان : أحدهما : ما يتعلق بالقوة النظرية ، وهو : الذكاء التام والحدس الكامل ، والمعارف الزائدة على معارف الغير بالكمية والكيفية . وثانيهما : ما يتعلق بالقوة العملية ، وهي : العفة التي هي وسط بين الخمود والفجور ، والشجاعة التي هي وسط بين التهور والجبن ، واستعمال الحكمة العملية الذي هو توسط بين البله والجربزة ، ومجموع هذه الأحوال هو العدالة . وأما السعادات البدنية : فالصحة والجمال ، والعمر الطويل في ذلك مع اللذة والبهجة .